
الخبرية من الرباط
رفض استقبال أفراد الجالية، الاكتفاء بمنصة لأخذ المواعيد، وتعقيدات إدارية تثقل كاهل المغاربة المقيمين في وضعية غير قانونية… هكذا تتراكم، بحسب أفراد من الجالية المغربية بجنوب إيطاليا، مظاهر الاستياء من طريقة تدبير الخدمات القنصلية، في وقت يفترض فيه أن تكون القنصلية أقرب إلى المواطن وأكثر إنصاتاً لانشغالاته، لا أن تتحول إلى حاجز إضافي بينه وبين الإدارة.
ويجد أفراد من الجالية أنفسهم، وفق إفادات متداولة، أمام قنصلية لا يبدو أن أبوابها مفتوحة بالقدر الكافي للاستماع المباشر إلى مشاكلهم، خصوصاً مع الحديث عن رفض القنصل استقبال أفراد الجالية وفتح حوار معهم حول الصعوبات التي تواجههم. وإذا صحّ أن المواطن لا يجد طريقا مباشرا إلى المسؤول القنصلي، فإن السؤال يصبح مشروعا: لمن يلجأ المواطن عندما تعجز القنوات الإدارية نفسها عن الاستماع إليه؟
المفارقة أن القنصلية يفترض أن تكون قبل كل شيء فضاءً لخدمة المغاربة وحماية مصالحهم، وأن يكون المسؤول القنصلي في مقدمة من يستمع إلى انشغالاتهم، لا أن يصبح الوصول إليه امتيازاً يحتاج المواطن إلى موعد للحصول عليه.
ثم تأتي قصة منصة المواعيد لتضيف طبقة أخرى من التعقيد. فالمنصة الإلكترونية، من حيث المبدأ، يمكن أن تكون وسيلة عصرية لتيسير الخدمات وتنظيمها، لكن الرقمنة تفقد معناها عندما تتحول من أداة للتسهيل إلى شرط للولوج إلى الإدارة. المواطن الذي يقطع مئات الكيلومترات لا ينبغي أن يكون مطالباً بخوض معركة إلكترونية قبل أن يخوض معركة الطريق.
والأشد إثارة للانتباه هو وضعية المغاربة المقيمين بطريقة غير قانونية، وهي فئة توجد أصلاً في وضع هش، وتحتاج إلى قدر أكبر من المرونة الإدارية والمواكبة، لا إلى إضافة عوائق جديدة أمامها. إذ يُثار استياء بشأن إلزام المعنيين، ضمن طلبات تحديد الهوية، بالإدلاء بشهادة السكنى، وهو ما يزيد من متاعب أشخاص قد تكون ظروف إقامتهم نفسها سبباً في صعوبة الحصول على هذه الوثيقة.
وهنا تبدو المفارقة صارخة: شخص يحتاج إلى وثائق الهوية لتدبير وضعه الإداري، يُطلب منه في المقابل الإدلاء بوثيقة قد يكون وضعه القانوني سبباً في تعذر الحصول عليها. إنها حلقة بيروقراطية مغلقة، يصبح فيها المواطن كمن يطلب مفتاحاً لباب، فيُطلب منه أولاً أن يثبت أنه دخل من الباب نفسه.
والسؤال ليس موجها ضد مبدأ احترام الوثائق والمساطر، فلا أحد يطالب بإلغاء القواعد أو تجاوز القانون. السؤال الحقيقي هو ما إذا كانت هذه المساطر تُطبق بمنطق خدمة المواطن ومراعاة اختلاف الحالات، أم بمنطق إداري جامد لا يرى في المواطن سوى ملف ناقص الوثائق.
والمثير أكثر أن المنطقة سبق أن عرفت تجربة مختلفة في التعامل مع الجالية. فقد أتاحت القنصليات المتنقلة، خلال فترات سابقة، تقريب الخدمات الإدارية من المواطنين وتخفيف أعباء السفر، وهي تجربة ارتبطت، وفق إفادات أفراد من الجالية، بفترتي القنصلين السابقين عبد القادر ناجي ومحمد خليل، اللذين عُرف عهدهما بتنظيم قنصليات متنقلة بشكل منتظم.
فلماذا لا تُستعاد هذه التجربة اليوم؟ ولماذا يُطلب من مغربي يقيم في جنوب إيطاليا أن يتحمل مشقة السفر وتكاليفه من أجل خدمة كان بالإمكان تقريبها منه؟ وهل يعقل أن تصبح المسافة الجغرافية عقوبة إدارية يدفع ثمنها المواطن من وقته وماله وأعصابه؟
إن أفراد الجالية المغربية بجنوب إيطاليا لا يطلبون معاملة استثنائية، ولا يبحثون عن امتيازات خارج القانون. إنهم يطالبون، ببساطة، بإدارة تسمعهم، وخدمات تصل إليهم، ومساطر لا تجعل من كل وثيقة رحلة مضنية.
أما أن يُغلق باب التواصل المباشر، وتُختزل العلاقة في منصة للمواعيد، ثم تُثقل الفئات الأكثر هشاشة بوثائق يصعب عليها توفيرها، فذلك لا يشبه تقريب الإدارة من المواطن، بل يشبه تقريب المواطن من الإدارة بشروط الإدارة وحدها.
القنصلية ليست مجرد مكتب لإصدار الوثائق والتأشير عليها. إنها واجهة المملكة ومؤسسة يفترض أن تجسد حضور الدولة إلى جانب مواطنيها في الخارج. ولذلك فإن أبسط اختبار لنجاعة العمل القنصلي ليس عدد الوثائق المنجزة ولا عدد المواعيد المسجلة، وإنما سؤال أكثر بساطة: هل يشعر المواطن المغربي عندما يدخل القنصلية أنه أمام إدارة تخدمه، أم أمام متاهة إدارية عليه أن يثبت أولاً قدرته على تحملها؟
وفي حالة جنوب إيطاليا، يبدو أن الوقت قد حان لفتح هذا النقاش بجدية، والاستماع إلى أفراد الجالية، وإعادة تقييم طريقة تقديم الخدمات، بما في ذلك إمكانية إعادة تفعيل قنصلية مستقلة بنابولي أو اعتماد قنصليات متنقلة منتظمة، حتى لا يبقى مغاربة الجنوب أسرى المسافة والمنصة والوثيقة.
فالخدمة القنصلية الناجحة لا تقاس بارتفاع الجدران ولا بعدد الأختام، وإنما بقدرتها على أن تكون قريبة من المواطن عندما يحتاج إليها. وإلا فإن الإدارة التي يفترض أن تكون جسراً بين الدولة ومواطنيها قد تتحول، بكل أسف، إلى جدار آخر عليهم أن يبحثوا عن طريقة لتجاوزه.