
الخبرية من الرباط
تتجه الأنظار، في خضم الجدل المتصاعد حول أوضاع عمال شركات المناولة والمقاولات الصغرى بالمنطقة الفوسفاطية، إلى مصلحة نظم المعلومات المؤسسية للمشتريات (ISE – Purchasing ISE) بالمجمع، والتي أصبحت في مواجهة انتقادات متزايدة بسبب ما يصفه متتبعون بتوسع تدخلها في اختصاصات أقسام المشتريات المحلية بالمدن الفوسفاطية.
وتتمثل الإشكالية، وفق هذه الانتقادات، في الدور الذي أصبحت تضطلع به المصلحة في معالجة طلبات الشراء وإدارتها ومتابعتها، بما يطرح تساؤلات حول طبيعة العلاقة الجديدة بين هذه المصلحة المركزية وأقسام المشتريات الموجودة داخل المدن الفوسفاطية، وحدود اختصاص كل طرف في تدبير الصفقات والتعامل مع المقاولات المحلية.
ويرى متتبعون أن انتقال جزء من عملية تدبير المشتريات نحو منظومة مركزية قد تكون له انعكاسات مباشرة على المقاولات المحلية، خصوصا الشركات الصغرى التي تعتمد بدرجة كبيرة على الصفقات المرتبطة بالمواقع الفوسفاطية الموجودة في محيطها الجغرافي.
وتزداد حساسية الموضوع حين يتعلق الأمر بمقاولات محلية راكمت خبرة في التعامل مع منشآت الفوسفاط، وتوفر فرص شغل لعدد مهم من أبناء المدن والمناطق المحيطة بها، قبل أن تجد نفسها أمام منافسة متصاعدة من شركات كبرى متمركزة في مدن مغربية أخرى، ذات إمكانيات مالية وتنظيمية أكبر، وتتمكن من الظفر بصفقات مهمة، ثم تلجأ بدورها إلى المناولة لتنفيذ جزء من التزاماتها.
وهنا يطرح السؤال حول الدور الحقيقي لأقسام المشتريات المحلية: هل ما تزال تمتلك هامشا فعليا في تدبير العلاقة مع النسيج الاقتصادي المحلي، أم أن المركزية الجديدة في معالجة طلبات الشراء جعلت دورها أقرب إلى تنفيذ قرارات يتم اتخاذها خارج المدن الفوسفاطية؟
وتحمل هذه التساؤلات أهمية خاصة بالنسبة لمدينة خريبكة، التي ارتبط اقتصادها لعقود بالنشاط الفوسفاطي، وأصبحت فيها شركات المناولة والمقاولات الصغرى جزءا من النسيج الاقتصادي والاجتماعي للمدينة. فأي تغيير في طريقة توزيع الصفقات أو تحديد المستفيدين منها ستكون له انعكاسات تتجاوز الجانب التجاري لتطال التشغيل والاستقرار الاجتماعي.
ويحذر متتبعون من أن تركيز القرار الشرائي في منظومة مركزية، في غياب معايير واضحة ومعلنة حول حضور المقاولة المحلية ضمن النسيج التعاقدي، قد يؤدي إلى إضعاف الشركات الصغرى التي تجد نفسها أصلا أمام منافسة غير متكافئة مع مجموعات كبرى قادرة على تعبئة موارد مالية وبشرية ضخمة.
كما يطرح هذا الوضع سؤالا أكثر عمقا حول المسؤولية الاجتماعية للمشتريات، ومدى حضور البعد التنموي المحلي في اختيار المتعاملين، خصوصا في المدن التي يحتل فيها النشاط الفوسفاطي موقعاً محورياً في الاقتصاد المحلي.
وفي الوقت الذي تتحدث فيه النقابات عن اختلالات تمس أوضاع عمال المناولة، من قبيل التأمين والتغطية الاجتماعية وتأخر الأجور والحق النقابي، فإن النقاش حول ISE – Purchasing ISE يفتح واجهة أخرى من الملف، تتعلق بالجهة التي ترسم عملياً خريطة الصفقات، وبكيفية انتقال القرار من طلب الشراء إلى اختيار الشركة المستفيدة، ثم إلى تنفيذ الصفقة عبر شركات المناولة.
وتحتاج هذه الانتقادات، في المقابل، إلى توضيحات رسمية تحدد بدقة اختصاصات ISE – Purchasing ISE وعلاقتها بأقسام المشتريات المحلية، وحدود تدخلها في القرارات الشرائية، ومعايير اختيار الشركات المستفيدة من الصفقات، وموقع المقاولات المحلية داخل هذه المنظومة.
فالمسألة، في نظر المتتبعين، تتجاوز مجرد خلاف إداري بين مصالح داخل منظومة المشتريات، لتلامس سؤالاً اقتصاديا واجتماعيا أكبر: من يقرر في الصفقات الفوسفاطية؟ ومن يستفيد من قيمتها؟ وما نصيب المقاولة المحلية والعامل المحلي من هذه المنظومة؟
وكلما اتسع نفوذ المشتريات المركزية، ازدادت الحاجة إلى وضوح أكبر في توزيع الاختصاصات، وشفافية أوسع في مسار الصفقات، وضمان حضور فعلي للمقاولات المحلية، حتى لا تتحول المركزية في القرار إلى عامل إضافي يضعف النسيج الاقتصادي للمدن الفوسفاطية ويعمق الاحتقان داخل قطاع المناولة.




